ابن قيم الجوزية
331
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
محجوج بحجة اللّه إلا أن يتغمده اللّه برحمته ، وهو أرحم الراحمين . وهذا الذي ذكرته بيّن في معاني الآيات ، لا يتمارى فيه موفّق ، قال اللّه تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ ( 74 ) [ البقرة ] أراد أنهم استمروا على المخالفات ، وأصروا « 1 » بانتهاك الحرمات ، فقست قلوبهم ، وقال تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ( 28 ) [ الكهف ] فقد جمعت بين تفويض الأمور كلّها نفعها وضرها خيرها وشرها إلى الإله جلّت قدرته ، وبين إثبات حقائق التكليف ، وتقرير قواعد الشرع على الوجه المعقول ، ألست في هذا أهدى سبيلا وأقوم قيلا ممن يقدر الطبع منعا والختم صدا ودفعا ، ثم ينفي التكاليف بزعمه . وقد افترق الخلق في هذا المقام فرقا ، فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ممنوعون مدفوعون ، لا اقتدار لهم على إجابة دعاة الحق ، وهم مع ذلك ملزمون ، وهذا خطب جسيم ، وأمر عظيم ، وهو طعن في الشرائع وإبطال للدعوات ، وقد قال تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ( 55 ) [ الكهف ] وقال لإبليس : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ( 75 ) [ ص ] نعوذ باللّه من سوء النظر في مواقع الخطر . وذهب طوائف من الضّلّال إلى أن العبد يعصي ، والرب لما يأتي به كاره ، فهذا خبط في الأحكام الإلهية ومزاحمة في الربوبية ، ولو لم يرد الربّ من الفجار ما علمه منهم في أزليته ، لما فطرهم مع علمه بهم ، كيف وقد أكمل قواهم وأمدّهم بالعدد والعدد والعتاد ، وسهّل لهم طريق الحيد عن السداد . فإن قيل : فعل ذلك بهم ليطيعوه ، قلنا : أنّى يستقيم ذلك ، وقد علم أنهم يعصونه ، ويهلكون أنفسهم ، ويهلكون أولياءه وأنبياءه ، ويشقون شقاوة لا
--> ( 1 ) أصروا : أثموا .